السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

269

مختصر الميزان في تفسير القرآن

بيان : قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ ، قل : ما أنفقتم من خير ، قالوا : إن الآية واقعة على أسلوب الحكمة ، فإنهم إنما سألوا عن جنس ما ينفقون ونوعه ، وكان هذا السؤال كاللغو لمكان ظهور ما يقع به الانفاق وهو المال على أقسامه ، وكان الأحق بالسؤال إنما هو من ينفق له : صرف الجواب إلى التعرض بحاله وبيان أنواعه ليكون تنبيها لهم بحق السؤال . والذي ذكروه وجه بليغ غير أنهم تركوا شيئا ، وهو أن الآية مع ذلك متعرضة لبيان جنس ما ينفقونه ، فإنها تعرضت لذلك : أولا بقولها : من خير ، إجمالا ، وثانيا بقولها : وما تفعلوا من خير فإن اللّه به عليم ، ففي الآية دلالة على أن الذي ينفق به هو المال كائنا ما كان ، من قليل أو كثير ، وان ذلك فعل خير واللّه به عليم ، لكنهم كان عليهم ان يسألوا عمن ينفقون لهم ويعرفوه ، وهم : الوالدان والأقربون واليتامى والمساكين وابن السبيل . قوله تعالى : وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ، في تبديل الانفاق من فعل الخير هاهنا كتبديل المال من الخير في أول الآية إيماء إلى أن الانفاق وان كان مندوبا اليه من قليل المال وكثيرة ، غير أنه ينبغي ان يكون خيرا يتعلق به الرغبة وتقع عليه المحبة كما قال تعالى : لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ( آل عمران / 92 ) ، وكما قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ( البقرة / 267 ) . وايماء إلى أن الانفاق ينبغي ان لا يكون على نحو العشر كالانفاق بالمن والأذى كما قال تعالى : ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً ( البقرة / 262 ) ، وقوله تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ( البقرة / 219 ) .